"سواعد قرطاج".. هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟

Reuters

باسم السالمي

 

أسدل الستار على مشاركة المنتخب التونسي في النسخة السادسة والعشرين من بطولة العالم لكرة اليد التي استضافتها مشاركة الأراضي الألمانية والدنماركية، وسط شعور بخيبة الأمل من النتائج المسجلة لـ"سواعد قرطاج" عقب إنهاء المنافسة في المركز الثاني عشر.

واعتبر غالبية الجمهور العريض لكرة اليد التونسية هذه المشاركة الرابعة عشرة في المحفل المونديالي الكبير دون مستوى الآمال المعقودة، غير أنّ الواقعية ومنطق التاريخ والأرقام يبرهن أن الحضور على أراضي الدنمارك لم يكن "سوداوياً" كما يريد البعض تصويره برغم أنّه يمكن الإقرار بأنّ زملاء "الجلّاد" مصباح الصانعي كان بإمكانهم تقديم أفضل ممّا قدّم (8 مباريات، 3 انتصارات و5 هزائم).

الصانعي.. "هداف أصيل" رغم العبء الثقيل

 

السلبيات كثيرة والمؤاخذات أكثر حول مردود المنتخب التونسي في هذا المونديال ولكنّ هذا الأمر لم يكن عائقاً لبروز بعذ الأسماء التي أصبحت حجر أساس في المنتخب وفي مقدمتها "الضارب الصاروخي" ومحترف النصر الإماراتي حالياً مصباح الصانعي الذي تميز بشكل ملفت قبل هذه البطولة بعد اختياره أفضل لاعب في دورة يلو كاب الدولية الودية التي أقيمت بسويسرا والتي ختمها في صدارها هدافي المنتخب (14 هدفاً)، كما أقنع بوضوح في المونديال بتقديم أداء محترم بعد بداية صعبة أمام منتخبي النرويج والدنمارك.

ابن ولاية مدنين في الجنوب التونسي ولاعب أولمبيك المكان، قدّم عطاءات غزيرة أهلته ليكون هدّاف المنتخب في هذا المونديال بـ 39 هدفاً، حيث كان العنوان الأبرز بتحمّله قدراً كبيراً من عبء الهجوم من خلف الأمتار التسعة بفضل تسديداته الصاروخية هذا عطفاً على مساهماته الدفاعية، ومتقدماً في ذلك على زميله الجناح الطائر والمميز أسامة البوغانمي (37 هدفاً) الذي قدّم هو الآخر بطولة طيبة، إضافة إلى لاعبي الدائرة، مروان شويرف (26 هدفاً) وجهاد جاب الله (22 هدفاً).

بعزيمة فولاذية، عاد مصباح الصانعي (27 عاماً) من بعيد إثر إصابة في الفخذ، ليصبح عنواناً بارزاً في صفوف المنتخب، ولعلّ غياب بالنور (قبل البطولة) وجلوز (خلالها) للإصابة منحاه هامشاً أكبر لتحمل المسؤولية والتي كان على قدرها. تألق الصانعي سيسمح لجيرونا بالاطمئنان أكثر على هجوم المنتخب لا سيما بعودة المصابين في الاستحقاقات المقبلة.

لا وجود لشماعة "فردية"...

 

من التضليل الإلقاء بالمسؤولية على طرف دون آخر في الوجه الشاحب الذي ظهر به المنتخب التونسي في بطولة العالم الأخيرة، غير أنّ الرأي الأكثر صواباً هو القائل بالمسؤولية المشتركة بين الإطار الفني واللاعبين.

قد يسأل المدرب الإسباني طوني جيرونا عن عدم توفيقه في إيجاد توليفة دفاعية أو هجومية سليمة  أو عجزه عن إيجاد حل لبعض الوضعيات الخططية المعقدة في المباريات لا سيما منها ذات المستوى العالي، غير أنّ هامش المسؤولية الأكبر يقع على بعض اللاعبين، الذين أسهبوا في إهدار الفرص السهلة في الهجوم حيث أصبح "الاستعراض الفردي" عنواناً لأداء المنتخب الذي فقد هويته الجماعية.

نقطة سوداء

 

من تابع مباريات المنتخب التونسي في بطولة العالم، يلحظ مشكلة أساسية بدت واضحة للعيان، حيث أصبح مسلسل إهدار الفرص أكثر ما يؤرق المدرب جيرونا. 

بيت القصيد في هذا المشكل أنّ هوية المهدرين للفرص المحققة ليسوا من العناصر الشابة فقط بل من أصحاب الخبرة أيضاً، وهو ما يطرح إشكالاً حقيقياً يجب معالجته في الاستحقاقات المقبلة، لتدارك هذه النقطة السوداء التي كلفت المنتخب تكبد نتائج ثقيلة في الدور الأول ضد النرويج (34-24) والدنمارك (36-22) وفي الدور الرئيسي ضد السويد (35-23) وحتى ضد مصر وصيفة تونس في بطولة أفريقيا الأخيرة (30-23).

من جهة أخرى، يجب التنويه بأنّ الحلول لهذه المعضلة تبقى موجودة خاصة لما ينعم به المنتخب التونسي من عناصر واعدة على المستوى الفني، غير أنّ الوقوف عند عوامل قلة الخبرة لبعض الشبان الذي يخوضون تجربة المونديال لأول مرة إضافة إلى فقدان التركيز في الأوقات الحساسة، بات أمراً حتمياً.

للإصابات نصيب من المسؤولية

 

ما لا يمكن إغفاله أيضاً حالة النحس التي رافقت المنتخب قبل المونديال بافتقاد جهود الثنائي أمين بالنور وأيمن التومي للإصابة ومن ثم أثناء المنافسة عندما أصيب الحارس مروان مقايز والضارب المميز وائل جلوز الذي يحترف في صفوف فوكسي برلين الألماني حالياً.

هذه الغيابات الثقيلة بعثرت أوراق المدرب الإسباني جيرونا وحدّت من خياراته الفنية في عملية التعامل مع ظروف المباريات.

محترفو المستوى العالي وحراسة المرمى

 

من النقاط الجوهرية أيضاً التي يمكن اعتبارها سبباً في عدم ظهور المنتخب بالشكل المطلوب، فقدان العناصر المحترفة المعتادة على المستوى العالي والقادرة على إحداث الفارق، وهو ما بدا جلياً في المباريات الصعبة على غرار الدنمارك والسويد والنرويج والمجر ومصر.

نقطة حراسة المرمى.. بدورها استأثرت بالنقد، ولكنّ المنطق يقول أنّ رمي المسؤولية على ثلاثي الحراسة في المنتخب مكرم الميساوي وأمين البدوي ومن قبلهم مروان مقايز قبل الإصابة، هو إجحاف وأمر غير عادل، لأنّ الدفاع أيضاً مسؤول وبشكل كبير على مساعدة الحراس في تقديم أداء فعال، وهو ما لم يكن حاضراً في المونديال في أغلب الأوقات، ما كلف سواعد قرطاج رمي المنديل في مباريات عديدة انتهت بنتائج ثقيلة جداً.

الإعلام وعادته "السيئة"

 

في جانب آخر على قدر من الأهمية، تنعكس سهام النقد وهذه المرة باتجاه الإعلام، الذي لم يسهم في خلق بيئة نقية و"أجواء صحية" للمنتخب لكي يعدّ بطولته العالمية بالشكل المطلوب، وهذا المسلسل تكرّر في مناسبات عدة، حيث تختار بعض الوسائل الإعلامية التوقيت الخاطئ لمناقشة خيارات المدرب بل والتشكيك في قيمة اللاعبين الذين استدعاهم قبل دخول أية مغامرة، وهي أمور تدخل الشك في المجموعة وتزرع التفرقة وتشتت اللحمة وتبعثر أوارق المنتخب فنياً ومعنوياً.

جيرونا حقق المطلوب!!

 

ما يمكن أن يفاجئ عدداً من المتابعين، هو المدرب توني جيرونا، الذي وإن نال حظه من النقد بعد هذه المشاركة العالمية، غير أنّ منطق النتائج وعقد الأهداف الذي أبرمه مع الاتحاد التونسي لكرة اليد، ينصفه وبشكل واضح.

عقد الأهداف الذي يربط جيرونا بالاتحاد التونسي، يمكن تلخيصه في ثلاث تعهدات أساسية أوفى بها المدرب الإسباني كاملة، أولها التتويج ببطولة أفريقيا 2018 بالغابون وثانيها بلوغ الدور الرئيسي لمونديال 2019 وثالثها الصعود على منصة المتوجين في الألعاب المتوسطية التي أقيمت بتاراغونا الإسبانية، حيث حصدت تونس الميدالية الفضية عقب خسارتها أمام كرواتيا (24-23)، أي أنّ كل الأهداف المرسومة تمّ تحقيقها.

كل المؤشرات – وعلى عكس ما يُشاع مؤخراً – تؤكد استمرارية جيرونا على رأس الإطار الفني للمنتخب، وهو الخيار الصائب لاتحاد اللعبة برئاسة مراد المستيري، لا سيما أنّ الفني الإسباني الذي تسلم مهامه في 2017 بدأ يتمرّس بإمكانات لاعبيه والطريقة الأنسب لتوظيفهم، وهو ما سيساعد "سواعد الخضراء" على الاستعداد جيداً لبطولة أفريقيا 2020 والذي سيكون فيها أصحاب الضيافة مؤهلين لحصد لقبهم الحادي عشر وتكريس هيمنتهم على اليد الأفريقية.

رسالة لجماهير كرة اليد التونسية

 

الرسالة الأخيرة في ختام المونديال موجهة بالأساس لجمهور المنتخب التونسي، الذي عليه التحلي بالواقعية في تقييم هذه المشاركة وأن لا ينسى بأنّ منتخب بلاده حقق المركز الثاني عشر وهو فعلياً رابع أفضل نتيجة في تاريخ مشاركاته المونديالية، مع العلم أنّ المنتخب حقق تقدماً ملحوظاً بسبعة مراكز مقارنة بـ"الكارثة" التي حصلت على أرض قطر في النسخة الماضية لبطولة العالم (المركز 19، ثاني أسوأ مشاركة).

كما لا يجب أن تكون ذاكرة الجمهور التونسي قصيرة فهذا الفريق المونديالي الشاب هو الفريق عينه الذي أدخل فرحة الكأس الأفريقية العاشرة لتونس من الغابون بالذات وعلى حساب مصر في بداية العام المنقضي.