مصباح الصانعي يشخّص فشل "سواعد قرطاج" ويعلن الوداع!

Reuters

باسم السالمي

 

بدأت عواقب فشل المنتخب التونسي لكرة اليد في التتويج بالبطولة الإفريقية الأخيرة التي استضافها على أرضه تلوح تباعاً، حيث أنّ المصائب كما يقال لا تأتي فرادى، وأول غيث الأخبار السيئة كان وقعه صادماً، كيف لا وهو يتعلق بقرار اعتزال مصباح الصانعي، اللعب الدولي بعد مشوار ناهز 9 سنوات.

"الضارب الصاروخي" لـ"سواعد قرطاج" وأحد أبرز فلتات جيله، قرّر وضع حد لمشواره مع المنتخب في عمر لا يتجاوز 29 عاماً وفي ظرفية حساسة للغاية تعقب فقدان اليد التونسية لتاجها القاري الذي حصدته قبل عامين في الغابون، لمصلحة المنتخب المصري وفي قاعة رادس بالذات، ليضيع بالتالي حلم رفع اللقب الحادي عشر (رقم قياسي) وبلوغ المعترك الأولمبي في طوكيو 2020 لثالث مناسبة على التوالي بعد نسختي لندن 2012 وريو 2016.

ما هو يقين أنّ اليد التونسية خسرت جهود أحد أفضل سواعدها المتميزة في العشرية الأخيرة، فلمن لا يعرف مصباح الصانعي، فهو بطل إفريقيا مع "نسور قرطاج" عام 2012 بالمغرب (27 هدفاً) و2018 بالغابون ووصيف البطل في 3 نسخ هي الجزائر 2014 ومصر 2016 وتونس 2020، كما أنه متحصل على المركز الثالث وبرونزية بطولة العالم للأواسط في 2011 (36 هدفاً)، زد على ذلك أربع مشاركات مونديالية ابتداءً بنسخة إسبانيا 2013 ومروراً بقطر 2015 وفرنسا 2017 وانتهاءً بنسخة 2019 والتي استضافتها ألمانيا والدنمارك مشاركة.

علاوة على ذلك نحت الصانعي مشواراً مظفراً على مستوى الأندية سواء محلياً عندما كان في صفوف النجم الساحلي والمتحصل معه على الدوري في 2011 والكأس في 2010 والسوبر الإفريقي في 2013 وكأس الأندية الإفريقية الفائزة بالكؤوس في 2012، أو خارجياً عندما احترف في صفوف الجيش القطري الذي تحصل معه على المركز الثالث في كأس العالم للأندية "سوبر غلوب" في 2013 خلف الثنائي العملاق برشلونة الإسباني البطل آنذاك ووصيفه هامبورغ الألماني.

عن قرار الاعتزال المفاجئ ودوافعه وحيثياته وما حدث في نسخة كأس إفريقيا 2020 بتونس، خصّ مصباح الصانعي "أيقونة الجنوب" وأصيل حومة الزائير بولاية مدنين (جنوب تونس)، موقع "beIN SPORTS" بحوار حصري تطرق من خلاله لعدة محاور نطرحها عليكم في النقاط التالية:

هل انتهت قصة "الجلاّد الأسمر" مع المنتخب؟

مما لا شك أنّ قرار الاعتزال "المبكر" بعد مسيرة انطلقت في 2011 مع منتخب الأواسط ضمن بطولة العالم باليونان واستمرت لما يعادل 9 سنوات تقريباً، سيحدث مفاجأة للكثيرين في تونس، غير أنّ الصانعي علّل هذا القرار بوجهة نظر منطقية وأسباب واقعية في قوله: "أعتقد أنّ الوقت قد حان لأسباب عدة، أهمها الإصابات المتكررة التي عرقلت مسيرتي ففي السنوات الأخيرة تعرضت لإصابات عدة أثقلت كاهلي وأتعبت جسدي كثيراً، وهو ما أثر سلبياً على مردودي في عدة مناسبات مع المنتخب".

وأضاف: "في هذا الموسم أيضاً تعرضت لإصابتين متتاليتين وركنت على إثرهما لفترة طويلة من الراحة، وعندما عدت في بداية هذا العام لم أكن في أفضل جاهزية لي نظراً لافتقادي إلى نسق المباريات".

وعن العوامل الأخرى المساهمة في هذا القرار الصادم، قال مصباح: "مع واقع الإصابات المرهق وتفكيري في الاعتزال بجدية منذ فترة، كان لا بد لي من فسح المجال لجيل الشباب الصاعد من زملائي القادرين على إعطاء الإضافة والاضطلاع بدوري على أحسن وجه، وفي هذا السياق أدرج منهم على سبيل الذكر لا الحصر أسامة الجزيري لاعب الترجي وثنائي الأهلي المصري يوسف معرف واسكندر زايد، علاوة على صانع ألعاب النجم الساحلي محمد أمين درمول".

وتابع "صاروخ مدنين" تفسيره لأسباب الاعتزال: "لطالما حملت في داخلي حباً خاصاً وعاطفة لا تُضاهَى لألوان المنتخب الوطني، غير أنّ جسدي لم يعد يسمح لي بإضافة جهد مضاعف من خلال الالتزامات الدولية من جهة (المنتخب) والاحترافية من جهة أخرى (النادي). وكان عليّ الاختيار بين الجانبين في هذا الوقت الحساس وأحترم التزاماتي ومسؤولياتي العائلية التي باتت تتطلب مني وقتاً وجهداً مضاعفين".

في هذا السياق أيضاً، نود التذكير بحادثة فسخ عقد مصباح الصانعي مع فريق شامبيري الفرنسي الذي انضم إلى صفوفه في أغسطس/آب 2017 والذي كان من المفترض أن يستمر حتى عام 2020، غير أنّ طول فترة التعافي من الإصابة وتعكر الظروف في ظل غياب المشاركة دفعا الساعد التونسي إلى تغيير الأجواء نحو تجربة خليجية أخرى بعد قطر وهذه المرة قادته إلى الإمارات وتحديداً فريق النصر.

منتخبنا مميز فنياً وبعيد عن تهم التفكك

تطرق ضيفنا لعدد من المواهب البارزة في منتخب تونس، دفعنا للسؤال عن أجواء اللاعبين داخل المنتخب وعن الروح التي كانت سائدة داخل حجرات الملابس وتأثيرها على نتائج الـ"كان الأخير"، فكانت إجابة الصانعي حاسمة: "منتخبنا متّحد ويتميز بلحمة كبيرة وهو بعيد كل البعد عن التفكك أو الصراعات الداخلية العميقة كما كان يحدث في السابق".

وأضاف: "أودّ التأكيد على أنّ المنتخب المصري (بطل النسخة الأخيرة) لا يتجاوز لاعبينا في شيء برغم كثرة محترفيه، فلاعبونا يتميزون بمستوى فني عال ويقدمون كرة يد متطورة، غير أنّ التفاصيل البسيطة للمباريات النهائية هي التي أحدثت الفارق في كأس إفريقيا الأخيرة".

تحامل غير مبرّر رغم "عذاب" الإصابات

في إشارة إلى التحامل الذي أبداه البعض حول مردوده في الكأس الإفريقية الأخيرة بتونس، بدا الصانعي شجاعاً في ردّه، وأجاب بجرأة: "شأني شأن باقي زملائي اللاعبين وكل الإطار الفني والإداريين نود الاعتذار لجمهورنا الكبير وأودّ القول إنّ جميعنا يتحمل مرارة الهزيمة ولست هنا لأتنصّل من المسؤولية بل على العكس، ولكن البعض يريد أن يجعل من لاعب واحد شمّاعة للإخفاق الجماعي وهو ما أرفضه".

وفي سؤال عن كيفية إجابته للمنتقدين لمردوده في الكان الأخير الذي لم يظهر فيه بإمكاناته المعروفة لدى الجميع، أجاب الصانعي": بعيداً عن التملق والتماس الأعذار، أود ذكر بعض الأمور التي يجهلها الأغلبية ممّن يرمون سهام الانتقاد جزافاً بلا تدقيق. من هذه الأمور أني تعرضت لإصابة (تمزق في العضلية الخلفية للقدم اليمنى) في شهر أكتوبر من العام الماضي ضمن معسكر المنتخب الذي خضنا فيه مواجهات ودية ضد أوكرانيا، وهذا الأمر تسبب لي بمشاكل مع فريقي النصر الإماراتي الذي تكفّل بعلاجي حيث ركنت إلى الراحة لمدة شهرين، ومن ثم عدت إلى اللعب في مباراتين فقط قبل أن أتعرض لكسر في اليد اليسرى وبقيت بعيداً عن الملاعب لمدة شهر ونصف لأعود إلى مباشرة التدريبات في 10 جانفي أي قبل بداية منافسات كأس إفريقيا بـ 6 أيام فقط. كما أني لم أبدأ تحضيرات بداية الموسم مع فريقي ما جعلني دوماً متخلفاً على مستوى الجاهزية البدنية، ولا أذكر هذا لجلب التعاطف أو الهروب من المسؤولية، ولكن فقط أوجّه هذا الكلام لبعض المتحاملين الذين يجهلون الكثير عن حقيقة ما يحدث".

جيرونا في قفص الاتهام ...

لم يكن المدرب الإسباني للمنتخب التونسي، طوني جيرونا بمنأى عن وابل الانتقادات بعد فشل التتويج بالنجمة الحادية عشرة، فقد اعتبره الكثيرون سبباً جوهرياً في هذا الإخفاق، وفي هذا السياق أدلى الصانعي برأيه قائلاً: "المدرب شأنه شأن باقي مكونات المنتخب فهو بدوره يتحمل جانباً من المسؤولية ورغم نجاحه معنا في 2018 عند التتويج بالكأس الإفريقية على حساب مصر، إلا أنه توجد بعض المآخذ الفنية على طريقة إدارته للمجموعة وكيفية توظيف الطاقات المميزة التي تزخر بها".

وأردف أيضاً: "المدرب لا يختلف عن اللاعبين قد يخطئ وقد يصيب وفي اعتقادي أنّ الصواب قد جانبه في هذه الكأس الأفريقية على أرضنا لا سيما طريقة تعامله وتحكمه في مجموعة اللاعبين وكيفية إدارتهم في المباريات".

تراجع مساهمة المحترفين

بات من الملحوظ مؤخراً التراجع الرهيب لعدد محترفينا خارج حدود الوطن وتحديداً في البطولات الأوروبية الكبرى على عكس ما كان يحدث سابقاً، حيث لم تعد بطولتنا تنجب لاعبين بإمكانهم التألق في تلك الربوع ذات الاحترافية العالية وهو ما أثر سلبياً على أداء "سواعد قرطاج" في السنوات الأخيرة.

عن هذا الطرح، كان لدى الصانعي تشخيص دقيق، حيث قال: "بالنسبة لي الأمر واضح ولا يتعلق إطلاقاً بعجز البطولة الوطنية عن إنجاب الكفاءات، بل بالمشكل المادي أساساً حيث لا يحظى لاعب كرة اليد التونسي بما يناله نظرائه في كرة القدم على سبيل المثال أو في دوريات كرة اليد الأخرى في العالم العربي، لذلك يكون اللاعبون مجبرين على الهجرة خارجاً بهدف تحسين أوضاعهم المادية وهو ما يكون متوفراً في الغالب في الدوريات الخليجية خاصة في قطر والامارات، حيث يكون الحافز المادي مهماً وكبيراً، الأمر الذي يدفع أغلب اللاعبين لخوض هذه التجارب لمحاولة تأمين مستقبلهم كون العمر الرياضي للاعب هو قصير غالباً لذا وجب عليه استثمار الفرصة حال توفرها".

وتابع مصباح حديثه: " في هذا الإطار أودّ التوجّه إلى جامعة كرة اليد بضرورة وضع استراتيجية متقنة ودراسة واضحة لمراجعة وضعية لاعب كرة اليد لاستقطابه إلى الدوري المحلي مجدداً وبالتالي معالجة تراجع مستوى البطولة".

المراجعة الشاملة أمر حتمي

لا شك أنّ عقب كل إخفاق أو عدم توفيق يأتي دور المحاسبة لوضع الإصبع على مكمن الداء وإصلاح الأخطاء التي من شأنها أن تضمن هامش النجاح مستقبلاً، هذا التوجّه سايرنا فيه "جلّاد النسور" الذي أضاف: "الإخفاق في الرياضة أمر وارد فالربح والخسارة جزء لا يتجزأ من قانون اللعبة، ولكن الأهم الاستفادة من الأخطاء وأخذ العبرة من الفشل لحصد النجاح مستقبلاً، وفي هذا السياق أود أن أدعو كافة المحيطين بالمنتخب من لاعبين وإطار فني واتحاد لمراجعة حساباته، كل من جهته، ليعود المنتخب إلى سالف عهده في القريب العاجل لأنّ الاستحقاقات متتالية ولن تمكننا من أخذ وقت كاف للبكاء على الأطلال أوالنظر إلى الخلف".

مهمتنا في التصفيات الأولمبية معقدة

طوى المنتخب التونسي صفحة كأس إفريقيا والتفت الآن إلى التحدي الأصعب المتمثل في المنافسة على بطاقة تأهيلية إلى أولمبياد بيكين 2020 ضمن مجموعة ثانية حديدية تضم فرنسا (مستضيفة التصفيات) وكرواتيا وصيفة بطلة أوروبا والبرتغال سادسة اليورو الأخير الذي استضافته السويد والنمسا والنرويج مشاركة فيما بينها.

عن حظوظ النجاح في هذه المجموعة "القاسية" وإمكانية العبور إلى الأولمبياد للمرة الثالثة توالياً، لم يبد الصانعي تحمّساً كبيراً من خلال إجابته التي جاء فيها: "بصراحة وبعيداً عن الأحلام، نعلم جيداً أنّ خطف إحدى بطاقتي التأهل عن هذه المجموعة يعدّ أمراً في غاية التعقيد حتى لا نقول شيئاً آخر. الجميع يعلم من هم منافسونا ولكن هامش الأمل يجب أن يبقى قائماً حتى لو كان ضئيلاً".

وعن المغامرة الأولمبية التي لم يسبق له خوضها لـ"سوء حظه" على حد تعبيره، أضاف النجم التونسي: "لطالما حلمت بخوض هذه التجربة الفريدة. فالأولمبياد حدث عالمي عظيم لا نشهده سوى مرة واحدة كل 4 سنوات وقد لا يتسنى للاعب في مشواره أن يخوض هذه المسابقة إن لم يحالفه الحظ، وهو ما افتقدته فعلاً حيث تعرضت إلى خلع في الكتف عند تأهلنا إلى ألعاب لندن 2012 بصحبة المدرب الفرنسي آلان بورت. وبصراحة هي تجربة عزمت على خوضها من خلال التتويج بكان 2020 غير أنّ الأمور سارت على غير ما أشتهيه".

الشكر لهؤلاء..

في ختام حواره المطوّل والحصري معنا، أراد ضيفنا توجيه رسالة شكر لعدد ممّن أسهموا في صقل موهبته وبلوغه المستوى الذي أصبح عليه إلى حدود موعد إعلان اعتزاله الدولي، وكان رسالته كالتالي: "أود التوجه بالشكر أولاً إلى عائلتي التي ضحت معي وإلى رفاقي وإلى كافة أبناء حي الزائير وأولمبيك مدنين، نادي المدينة التي نشأت فيها والتي أكن لها حنيناً خاصاً، وأود تقديم تحية خالصة إلى روح الفقيد الراحل فرحات عرجون الذي كان له دور فاعل للغاية في رسم خريطة بداياتي مع اللعبة".

وواصل: "كما لا يفوتني أن أشكر فريق النجم الساحلي الذي أعطاني فرصة البروز محلياً قبل الاحتراف الخارجي، وأيضاً شكري الخالص لكل زملائي الذين تقاسمت معهم حب "مريول" النجمة والهلال، ولكل الأطر الفنية التي أشرفت على المنتخب ولجامعة كرة اليد التي منحتني شرف تقمص زي الوطن الغالي ولـ beIN SPORTS التي خوّلت لي من خلال منصتها العالمية الإعلان عن قرار اعتزالي وشرح الأسباب لمحبي وعشاق كرة اليد التونسية".