بين الطليعة والنواعير لقبٌ لحفظ ما بقي من "حسن الجوار"

.

مازن الريس

جلس يراقب من خلال هاتفه الصغير مجريات مباراة النواعير والشعلة في الدور النهائي لدوري كرة اليد السوري، يطرح على نفسه سؤالاً لا إجابة له في ذاك الوقت، هل سيهدي النواعير اللقب لجاره الطليعة متناسياً حساسية التنافس الرياضي بين الفريقن والإساءات التي دائماً ما تتكرر بين جماهيرهما تحت إطار ما يسمى "نكهة الديربي"؟

مقالات أخرى للكاتب

كانت تدرك تلك العين التي بدأت تذرف الدموع على لقب سيذهب للجيش، أنّ فوز الطليعة لأول مرة في تاريخه ببطولة الدوري السوري لكرة اليد يتوقف فقط على فوز جاره النواعير المحسوم منطقياً على الشعلة، وذلك لأنّ خسارة النواعير تعني تعادل الجيش والطليعة فقط بالنقاط مع أفضلية للجيش في المواجهات المباشرة أما فوزه فيعني تساوي النواعير والطليعة والجيش بالنقاط والمواجهات المباشرة مع أفضلية فارق الأهداف بين الثلاثة لصالح الطليعة الذي سيتوّج باللقب.



تلك العين نفسها اختلطت عليها الأمور بعد رؤيتها لإساءات صدرت من بعض جماهير الطليعة للجار النواعير بعد مباراة الفريقين الجمعة وعندما ظنّ هؤلاء أنّهم توجوا بالدوري قبل لقاء النواعير والشعلة السبت، لكن الصورة القاتمة تبددت بالكامل في الشوط الثاني عندما قرّر النواعير اللعب لاسمه بعيداً عن الحسابات الأخرى وتسجيل موقف لن ينسى بسهولة.

ذاك القرار الذي اتخذه النواعير وحوّل مسار اللقب لجاره، جعل المشاعر تتقلب بين فخر بأبناء هذه المدينة وخجل ودموع حزن وفرح، قرارٌ أثبت أنّ التنافس أو التعصب في الديربيات المحلية والعالمية شيء، واللعب لاسم الفريق شيء آخر، حالات تكررت كثيراً بين ريال وأتلتيكو في مدريد وسيتي ويونايتد في مانشستر.

النواعير توّج الطليعة على أرض الملعب أو يمكننا القول إنّه ساعده على التتويج لأنّ الطليعة ربح على النواعير والشعلة أيضاً، وخسر بفارق هدف وحيد فقط أمام منافسه الجيش، لكن أبناء مدينة حماة ذهبوا لأبعد من ذلك.

العقلاء من رياضيي حماة بحثوا عن مثل هذه الصدمة كثيراً، صدمة تعيد الناس إلى عقولهم وتبعدهم عن دائرة التعصب التي أخرجت الأمور عن السيطرة، تعصبٌ كاد أن يثير فتنة تغذيها وجوه اعتادت على تأجيج الصراع بين الطليعة النواعير دون حسيب أو رقيب.

فالطليعة والنواعير يجب أن يستفيدوا من هذه الدروس التي فرضتها أحداث كرة اليد، فهناك من يحسد الطليعة على تجربته الاحترافية فيما يتعلق بجلب بطولة الدوري التاريخية وهناك من ينظر لأصالة أبناء النواعير.

قائد فريق الطليعة لكرة اليد وحارس مرماه زيد فاروق مغمومة لعب دوراً حاسماً باللقب عندما جلب أفضل اللاعبين في سوريا للعب باسم الطليعة موفراً لهم العديد من الأسس الاحترافية التي افتقدناها حتى على صعيد المنتخبات، دون تجاهل آراء تنادي بتطوير التجربة من خلال الدمج بين أبناء النادي وبعض المحترفين مستقبلاً.

 

النواعير الذي عزّز صفوفه بمحترف من قيمة هادي حمدون وصيف بطل العالم فهو وبعيداً عن الدرس الأخلاقي الذي قدمه، أصبح أمام مفترق طرق على المستوى الفني، فإما إعادة ترتيب الأوراق كاملة أو تعزيز ما تمّ البناء عليه، وإن كنت شخصياً أفضل متابعة البناء وتجاوز بعض الأخطاء التي حدثت إلا أنّ إدارة النواعير تملك من الوعي الإداري الكثير للقيام بما يلزم.

الأهم من هذا وذاك والذي سيذكره التاريخ طويلاً أنّ الطليعة الذي تأسس عام 1941 ومرّ عليه نجوم من قيمة فهد الوكيل أحد أفضل حراس العرب في الثمانينات توّج باللقب أخيراً، وأنّ أحد أهم أسباب هذا اللقب هو لعب النواعير لشعاره بعيداً عن حسابات تنافس الجيران، ليؤكد على جملة تمّ تجاهلها كثيراً في الفترة الأخيرة "الرياضة تجمع لا تفرّق".